ابن العربي
948
أحكام القرآن
الآية الحادية والعشرون - قوله « 1 » : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ . فيها خمس مسائل : المسألة الأولى - قوله : ما لَكُمْ : ما : حرف استفهام ، التقدير : أي شيء يمنعكم عن كذا ؟ كما تقول : مالك عن فلان معرضا . ونظامه الصناعي ما حصل لك مانعا لكذا أو كذا . وكما تقول : مالك تقوم وتقعد ؟ التقدير : أىّ شيء حصل لك مانعا من الاستقرار ؟ المسألة الثانية - قوله : انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ : يقال : نفر إذا زال عن الشيء . وتصريفه نفر ينفر نفيرا ، ونفرت الدابة تنفر نفورا ، وكأن النفور في الإباية ، والنفير في الإقبال والسعاية . وقد يؤلفان على رأى من يرى تأليف المعاني المختلفة تحت اللفظ الواحد بوجه يبعد تارة ويقرب أخرى ، ويكون تأويله هاهنا : زولوا عن أرضيكم وأهليكم في سبيل اللّه . المسألة الثالثة - في محل النفير : لا خلاف بين العلماء أن المراد به غزوة تبوك ، دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الناس إليها في حمارّة « 2 » القيظ ، وطيب الثمار ، وبرد الظلال ، فاستولى على الناس الكسل ، وغلبهم على الميل إليها الأمل ، فتقاعدوا عنه ، وتثافلوا عليه ، فوبّخهم اللّه على ذلك بقوله هذا ، وعاب عليهم الإيثار للدنيا على ثواب الآخرة . المسألة الرابعة - قوله : اثَّاقَلْتُمْ : قال المفسرون : معناه تثاقلتم ، وهذا توبيخ على ترك الجهاد ، وعتاب في التقاعد عن المبادرة إلى الخروج . ونحو قوله : ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ هو قوله « 3 » : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
--> ( 1 ) الآية الثامنة والثلاثون . ( 2 ) حمارة القيظ : شدة الحر . ( 3 ) سورة البقرة ، آية 195